أقصر الطرق للإيمان بالله
*عبد المنعم اسماعيل
من خصائص القرآن الكريم أن آياته تطرح الحقائق بشكل مباشر، وتجعلنا نطّلع عليها كما يطّلع الإنسان من فوق ربوة على مروج خضراء.
ومن هذه الحقائق إننا نشاهد سماءً مرفوعة، وكواكب تدور، وبحاراً هادئة حيناً وهائجة حيناً آخر، وإذا ما مات منّا شخص واريناه تحت التراب فتنقطع عنّا أخباره، فلا نعلم عنه بعد ذلك شيئاً. وهكذا الحال بالنسبة إلى ما تنطوي عليه أنفسنا من خير أو شرّ فإنه قيد الكتمان لا يكاد يعلم به أحد غيرنا. ولكنّنا غداً عندما نجد هذه السماء التي جعلها الله تعالى سقفاً محفوظاً قد انفطرت، ونرى هذه الكواكب المنتظمة التي يسير كل منها في فلك ترتطم ببعضها وتتبعثر. وإذا بالبحار الهادئة تتحوّل إلى نيران متفجرة، والنفوس التي كانت تحاول إخفاء ما فيها عن الناس تظهر على حقيقتها.
في مثل هذه الأجواء يعرف الإنسان الحقيقة؛ وهي أنه كان غافلاً مغروراً لأسباب تافهة، ولكنّنا هناك سننكشف على حقائقنا وتظهر أعمالنا، وتنكشف سوءاتنا، فلماذا نغترّ إذن؟!
القرآن الكريم يخاطبنا في سورة الانفطار: "يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ" فمن أنت؟ ومن أنا؟ ولماذا يتبختر الواحد منّا ويطغى وهو من العجز بحيث يصفه الله تعالى بالقول: "وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ"، ويقول عنه الحديث الشريف: (مسكين ابن آدم، مكتوم الأجل، مكنون العلل، محفوظ العمل، تؤلمه البقة، وتقتله الشرقة، وتنتنه العرقة) .
إنّ الآية المباركة: "يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ..." تحمل السؤال وجوابه. فالله ـ عزّ وجلّ ـ أنعم علينا بنعم بلغت من الكثرة والتواتر بحيث أنها أذهلتنا عن شكره وذكره، فانشغلنا بإرضاء رغباتنا وشهواتنا المادّية، وأنستنا هذه الرغبات والشهوات حمد الله تعالى وشكره. ثم يقول ربّنا ـ عزّ وجلّ ـ: "الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ". وفي هذا القسم من الآية يشير الله تعالى إلى مراحل خلق الإنسان، وهذه المراحل عبارة عن الخلقة الأُولى، ثم تسوية الإنسان؛ فما من عضو فيه إلاّ وهو متناسب مع سائر الأعضاء. فكلّ أعضاء جسم الإنسان مترابطة متعاونة، بحيث إذا تعرّض عضو ما إلى تأثير من التأثيرات فإنّ الجسم كلّه سيبدي ردود الفعل إزاء هذا التأثير.
وعندما تلتقي نطفة الرجل، مع بويضة المرأة، فإنّ هناك – حسب ما يقرّره العلم الحديث – ثلاثمائة مليار احتمال، وصورة الإنسان هي واحدة من هذه الاحتمالات، ولذلك فإنّ من غير الممكن أن يتماثل اثنان في العالم تماثلاً كاملاً إلى قيام الساعة.
ترى من الذي اختار للإنسان هذه الصورة الجميلة المتناسقة التي يشير إليها قول الله تعالى: "فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ" ؟ فحتّى هذه الصورة لم أستطع أنا اختيارها، ومع ذلك فإنّ الإنسان يصيبه الغرور حتى يدفعه هذا الغرور إلى التكذيب بالدين، كما يشير تعالى في سياق سورة الانفطار "كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ".
إنّ مشكلة الإنسان الرئيسة هي كفره بالدين؛ أي بيوم الجزاء والمسؤولية، في حين أنه إذا آمن بالمسؤولية فإنّ حياته ستسودها السعادة والاستقرار، فالإنسان الذي يؤمن أنه سوف يمثل غداً أمام محكمة عادلة بصيرة، وأنه سيجازى جزاءً عادلاً، فإنّ مثل هذا الإنسان سوف لايمكنه ان يكذّب بالله العظيم، أمّا الإنسان اللاّمسؤول، والذي لا يؤمن بأنه سيقف أمام محكمة العدل، فإن من السهل عليه الكفر والتكذيب بجميع القيم والمعتقدات الإلهيّة، وعلى هذا فإنّ كلمة (كلاّ) تحمل هنا بصائر مختلفة، وأهم هذه البصائر أنّ الإنسان إنما ينكر الحقيقة لأنه ينكر المسؤولية، ويكذّب بيوم الدين الذي هو يوم المسؤولية والجزاء.
لكن السؤال هنا: هل ينفع الانسان التكذيب بالحقائق الدامغة في الحياة؟ فاذا كذّب البعض –مثلاً- بالشمس ملايين المرات، فهل تكذيبه بها يعني انه نفى وجودها؟!
والقرآن الكريم يريد أن يفهمنا أنّ التكذيب بيوم الدين لا يمكن أن ينفع صاحبه، بل أنه يعود بالضرر عليه، لأنّ هناك من يسجّل كلّ كبيرة وصغيرة عليه. "وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ"، وعندما يفتح الإنسان كتابه يوم القيامة سيكتشف أن كلّ صغيرة وكبيرة مسجّلة فيه، وسيقول وقد أخذته الدهشة والذهول: "مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا"، وربما ينكر هذا الإنسان ما يحصيه هذا الكتاب، عندئذ ستشهد عليه أعضاؤه وجوارحه، فيسقط في يده.
ويضيف السياق القرآني قائلاً: "إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ". ومن المثير في هذه الآية أنّ الله تعالى لا يقول إنّ الأبرار سيدخلون النعيم، فليست هناك كلمة (سين أو سوف) الدالّتين على المستقبل، بل إن الله يقول: "إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم" أي إنّ النعيم محيط بهؤلاء الأبرار منذ الآن، وهذا يعني أنّ الجنّة موجودة في الدنيا ولكنّنا محجوبون عنها. فصلاتنا نعمة، وهكذا الحال بالنسبة إلى صومنا، والكلمة الطيّبة التي تصدر منّا، بل إنّ جميع أعمالنا الصالحة هي نعم في الحقيقة ولكنّنا محجوبون عن معرفتها، والتلذّذ بها.
وفي الطرف المقابل يتحدّث القرآن الكريم عن الفجّار قائلاً: "وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ". فالذي يأكل – على سبيل المثال – مال اليتيم، فإنّه يأكل – في الحقيقة – في بطنه ناراً ولكنّه لا يشعر. وفي هذا المجال يروى إنّ رجلاً كافراً جاء إلى أحد المسلمين وقد أحضر معه عظمة، فقال للمسلم: أتدري من أين جئت بهذه العظمة؟ فقال: لا. فقال: هذه عظمة أخذتها من قبر كافر، وأنتم تقولون إنّ الإنسان الكافر يعذّب بالنار في قبره، فأين النار؟ فلم يحر المسلم جواباً، فبعث إلى أميرالمؤمنين (ع) ليسأله عن جواب ذلك الرجل، فجاء الإمام (ع) وطلب إحضار حجرين، فضربهما ببعض، فانقدحت النار منهما، فسأل الإمام (ع) الرجل الكافر: أين كانت هذه النار؟!
ولذلك فإنّ علينا أن نتخلّص من هذه النار بالاستغفار، وعلينا في هذا المجال أن نضع نصب أعيننا موضع الشاهد في الآية التالية: "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ". فالحسنة في الدنيا هي الحياة الطيّبة، وفي الآخرة الجنّة، أمّا معنى "وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" فإنّ هناك أُناساً يدخلون الجنّة ولكنّهم في الطريق يمرّون على جهنّم، ونحن نرجو من الله سبحانه، أن لا نكون ممّن يمرون بهذا الطريق، بل أن نجتاز الطريق الذي يؤدّي مباشرة إلى الجنّة.