صــــرخة حنيـــن
طاوله, كرسي, ورقه و قلم..
شمعه, دمعه, ذكرى و ألم..
ليل رهيب و ظلام يغطي الوجود..
سكون مخيف و قلب يأبى الجمود..
كل شيء مستسلم لبرد الشتاء..
قد سكنت كل سارية في السماء..
ويرحل الساري في متاهات المساء..
وهنا..
تبدأ حكاية أحرفي.
=====
من ذا يداوي الجرح و الجرح غائر؟!
من ذا يعيد الأمس و الأمس مغادر؟!
بل من يشتري مني قلبي الغادر؟!
ويبيعني قلب طفل خاوي السرائر؟!
أشريه بألف سنة سعيده..
و أهديه أيام من الصفاء مديده..
عشتها يوما أو لحظه..لست أذكر..
ولكن أذكر أنها كانت سعيده..
نعم عشتها .. وياليتني لم أفعل..
فلولاها.. لما عرف الحنين طريقه..
ولكذبت عليه وقلت..
هذه ليست حقيقه..
فانسى أو اقسى .. وبالغد تأسى..
=======
في كل شبر من مساحات الزمن الغابر..
تصول خيول الحنين و جرحها ثائر..
تستبد بعروقي..
تنزع البسمة من ثغري..
تزرع الطعنة في صدري..
وتتلوها الطعنة فالطعنة..
والخيل أفلتت من أعنتها ..
وفرسانها تساقطت من رعونتها..
في قارعة الزمن..
ويجيبها من أعماقي صراخي و الألم..
و يكتوي قلبي بحنيني و الندم..
و يدك الخيل بحوافره قلاعي..
و تتناثر أشلاء الصمود..
ويسير معها قلبي بالقيود..
و تمضي به الخيل أسيرا ذليل..
كلما غفا .. صرخ به الحنين..
قم أيها الساري .. فقد أزف الرحيل..
=======
كان حبا يملأ الدنيا هياما..
كانت قصة تتبختر بها المشاعر تيها..
كنا ملوك زماننا..
كان جنون ولهفة.. كنا نحن الحياه..
و كانت هي الحنان ..
كان هوى يصنع من الدمعة ابتسامه..
كان خرافة بل كان غراما..
كنت قد غرقت فيها حتى الثماله..
وهي مثلي..تقول:
حبك يا حبيبي لا أقوى احتماله..
وأقول:
ارحمي قلبك .. و دعي الحب لي..
فقط كوني معي..ولا تتركيني..
وتقول:
ليتك تعلم .. انك معي في كل حاله..
ان نمت .. أنت أجمل أحلامي..
ان صحوت .. انت شمسي و سمائي..
ان بكيت .. تذكرتك فأسلى بذكرك..
اقتنعت بك .. كنزي و أملي في الحياهـ..
و ان ضحكت .. عاتبت نفسي..ربما يكون حزين..
لا يصح ان أضحك وهو حزين..
قد ملكتني بل أسرتني بل استوطنتني..
ان تزينت .. قلت ما ذا لو رآني؟!!
هل سيزيد شغفه لو رآني؟!!..
ان .. لبست فستانا جديدا..
تمنيت أن تكون أول من يراني..
ان تعطرت .. قلت ياليته يشمه و أشمه..
و أثيره ومن ثم أضمه..
ان سرحت .. ففيك فكري و هيامي..
ان تلثمت .. قلت ياليته يرى أعياني..
قد أعياك الشوق و أعياني..
قد أحطتني من كل اتجاهاتي..
لقد شاركتني تفاصيل حياتي..
آآآآآآهـ..
كم كان يطربني حديثها..
كم كنت أدوخ من عشقها..
مترنح و فاقد لتوازني..
أذوب من همسها تائها مسحورا..
أضيع في متاهاتها مطروبا و مخمورا..
أسمع كل ذاك .. والذهول قد اعتراني..
معها فقط .. أشعر برجولتي..
نعم أقولها بين أناس يرون ذاك من العار..
قد كنت فاشلا .. خاملا .. لم أكن شيء..
صنعتني و أمرتني..
أشعلت في داخلي نيران الطموح..
صورت لي أرقى الصروح..
فتقدمت و تحديت .. وانتصرت..
نجحت و أكملت و تفوقت..
وعندما وصلت .. لحلمي اللذي هي رسمت..
ركضت اليها.. أبشرها و أخبرها..
ليس لتفخر بي..
وليس لتهنئني..
فقط لأراها تبتسم..
كم كنا صديقين عاشقين..
========
آآهـ و ألف آآهـ أجرها مقهورهـ..
آآهـ وفي قلبي من الحزن عويل و بكاء..
آآآهـ عليها و منها ..
كم تأوهت و تجرعت الأنين..
في كل لمحة من وجهي .. موطن لها..
في كل قطعة من قلبي .. سكن لها..
قالت لي أختها :
حبيبتك ماتت..
هذا الصباح ماتت..
لا تسالنا كيف .. لسنا ندري..
ولكنها ماتت وهي تحدثني عنك..
قالت قبل موتها:
اليوم حبيبي سيبشرني بالنجاح..
اليوم سأقضيه معه بالأفراح..
صدقيني سينجح..
هذا حبيبي اللذي لا تعرفون..
وبعد غد ..
سيأتي لبيتنا هو و أهله..
فقط سأنام الآن بضع ساعات..
ونامت حبيبتي ..
ونامت معها فرحتي..
انطفأ نورها..
وانطفأت شمعتي..
و لأول مره .. أرى دمعتي..
بكيت و بكت معي جدران الدار..
بكيت و أبكيت أهلي و الجار..
أضم هداياها و أبكي..
وكم من ليلة بت بعدها أبكيها..
وقد كنت قبلها أضحكها و أسليها..
أنظر حولي فكأن كل شيء يبكيها معي..
فاضت مشاعري و استرسلت أدمعي..
بكيتها أنا و السماء ..
في ليلة شتاء..
كأني بالنجوم تساقطت حزنا عليها..
كأني بأنوار الشوارع تشهق من الحنين..
يا ليلة من عمري ..
باح فيها عزائي و صبري..
أين أهرب؟!..
كل شيء يذكرني بها..
سيارتي .. ثوبي .. عطري..
وجهي .. فمي .. كل شيء و أي شيء..
كانت قد احتلت حياتي..
وأحالتها روضة غناء..
ما تخيلت أني سأعيش لليوم التالي..
ظننت أنها نهاية الكون..
=========
تقاطر الناس على بيتهم يعزون..
وأنا بينهم .. جسد تحرسه المنون..
لم يعرفوني .. ولكن عرفوا حزني..
لم يروني من قبل ..
ولكن رأوها في وجهي وفي صوتي..
حملناها وصلينا عليها..
ذهبنا بها لقبرها..
عجبي كيف تدفن الورود!!
لكأن الكون صامت ينظر اليها..
لكأن الأرض اهتزت لما حثونا التراب عليها..
تسمرت في مكاني..
تزلزل كياني..
توقف زماني..
وما صحوت الا يومي الثاني..
كيف؟؟ لماذا ؟؟ ما هذا ؟؟
آالاف الأسئله الحائره في ذهني..
ولكن الأكيد..
أن الراحة قد سلبت مني..
وبدأت عصر الهذيان..
هم يعتقدون أنها ماتت..
ولكني أراها كل ليله..
تكلمني و تهمس لي..
وتقول:
ما أجمل أيامي معك..
========
تغير حالي..وتبدلت أموري..
كبرت عشرين سنه..
خبأت العاطفه..
وهدأت العاصفه..
طال صمتي و شحوبي..
تجمدت ملامحي..
تمر الأيام .. مجرد أيام..
لاجديد..
تتغير الأماكن .. مجرد أماكن..
لا جديد..
قال الناس:
ابحثوا له عن عزاء..
عليكم بالنساء..
ففي بعضهن عن بعضهن عزاء..
وصحوت يوما و امرأة بجانبي..
يقولون عنها زوجتي..
رحماك يا رب..
ما ذنب هذه المسكينه؟!..
واخترت أن أداريها و أداري عنها الوجدان..
قد ذقت فجيعة الحب و قسوة الحرمان..
من ذاق مثلي في الهوى هذا العذاب..
يكره أن يرى غيره يقاسي نفس العذاب..
ومن رأى حبيبه يرحل الى الغياب..
يخاف أن يكرر هو تلك الأسباب..
========
و اليوم.....
لا زال الحنين هو نفس الحنين..
يا ذكريات السنين..
و دمعة خلف نافذة الانتظار..
و قلب يتجرع سكرات الاحتضار..
و نفس جريئه.. يباريها اليأس..
و تأبى الانكسار..
لو تسير مراكب الأيام مشاوير الدهر..
و تستعمر ريح الشتاء أعماق البحر..
و يذوق الغني مثل الفقير مرارة الفقر..
ويستحيل شعور المنتصر هما و قهر..
و تذوب الشمس في بواطن النهر..
ما انطفأ حنيني..
كلا ولا تعدلت سنيني..
أنا اللذي رسمت الحرف على الأيام دمعه..
أنا اللذي بكت لي غصون الخريف..
وتسابقت أوراقها لتحتضن كتاباتي..
و تخضر بعدها زهوا بأبياتي..
والحنين هو الحنين..
قمر يبعث لليل حكاياتي..
فيتلوها .. وتلحنها آهاتي..
لازال الحنين هو الحنين..
وخيوله تصول و تجول..
وقلبي مكبل بتلك القيود..
تجره الخيل في ميادين الذكريات..
وكلما غفا ذلك القلب المسكين..
صرخ به الحنين..
قم ..
وتذكر تلك السنين..
و وعدك الأمين..
أنك لن تنسى..
و لن تسلى..
ولن تنام عن ذكرها و ذكراها..
وستبقى دوما..
الســــاري الحزين..
و مادام قلبك ينبض..
ستبقى كل نبضة..
صرخة حنين.
|